الشيخ السبحاني

41

مفاهيم القرآن

يسبقوه إلى أهله ، فجعل يقول : يا صباحاه يا صباحاه أوتيتم أوتيتم . « 1 » هكذا بدأت الدعوة الإسلامية ، وهو - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - يخطو خطوات قصيرة ، يجابه ضوضاء الالحاد بحكمه وعظاته حتى دخل في الإسلام بعض الشخصيات البارزة ممن كانت لهم مكانة مرموقة بين الناس ، وانجذبت إليه قلوب كثير من الشبان وأصبحت أفئدتهم تهوى إليه ، غير أنّ الجو المفعم بالاحن والضغائن عرقل خطا دعوته ، وتفاقمت جرائم قريش نحوه ، فأجمعوا أمرهم على أن يخنقوا نداءه ، بإنهاء حياته وإطفاء نوره ، حيث اجتمع سادتهم في دار الندوة ، وأجمعوا على أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شاباً ، ويسلّموا له سيفاً صارماً ، وأوصوا هؤلاء الشباب بأن يضربوه ضربة رجل واحد ، حتى يموت ، فيستريحوا منه ، وبذلك يتفرّق دمه في القبائل جميعاً ، ولا يقدر بنو هاشم ، على حربهم . ولكنّ اللَّه ردّ كيدهم ، وصدّهم عن ذلك ، وخيّب حيلتهم ، وأخبر الرسول - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - عن المكيدة الداهمة ، فغادر مكة متوجهاً إلى « يثرب » حتى دخلها ، فاجتمع حوله رجال من الأوس والخزرج ، وبايعوه ، ووعدوه بالنصر ، والمؤازرة والحراسة . والرسول - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - وإن غادر مكة ، وترك قومه ، إلّاأنّ قومه لم يتركوه ، بل أجّجوا نار الشحناء عليه ، ودارت بينهم وبين الرسول حروب دامية ، وحملات طاحنة ، وبذلت قريش آخر ما في وسعها ، ورمت كل ما في كنانتها ، وبالغت في تقويض الإسلام ، وهدم بنائه ، إلى أن دخل العام السادس ، من الهجرة ، فتعاهد الفريقان في أرض الحديبية على هدنة تدوم عشر سنوات ، بشروط خاصة . هذا الصلح الذي تصالح به المسلمون في الحديبية ، انقلب إلى فتح مبين للإسلام ، فانتهز الرسول - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - الفرصة لنشر دعوته في البلاد البعيدة ، فبعث سفراءه وفي أيدي كل واحد كتاب خاص إلى قيصر الروم ، وكسرى فارس ، وعظيم القبط ، وملك الحبشة ، والحارث بن أبي شمر الغساني ملك تخوم الشام ، وهوذة بن علي الحنفي ملك اليمامة ،

--> ( 1 ) السيرة الحلبية ، ج 1 ، ص 321 المقصود : هوجمتم من قبل العدو .